أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

151

العقد الفريد

وقال زياد لأصحابه : من أغبط الناس عيشا ؟ قالوا : الأمير وأصحابه . قال : كلا ؛ إنّ لأعواد المنبر لهيبة ، ولقرع لجام البريد لفزعة . ولكن أغبط الناس عيشا رجل له دار يسكنها ، وزوجة صالحة يأوي إليها ، في كفاف من عيش ، لا يعرفنا ولا نعرفه ؛ فإن عرفنا وعرفناه أفسدنا عليه آخرته ودنياه . وقال الشاعر : إنّ الملوك بلاء حيثما حلّوا * فلا يكن لك في أكنافهم ظل ما ذا تريد بقوم إن هم غضبوا * جاروا عليك وإن أرضيتهم ملّوا فاستغن باللّه عن إتيانهم أبدا * إنّ الوقوف على أبوابهم ذلّ وقال آخر : لا تصحبنّ ذوي السّلطان في عمل * تصبح على وجل تمسي على وجل « 1 » كل التّراب ولا تعمل لهم عملا * فالشّرّ أجمعه في ذلك العمل وفي كتاب كليلة ودمنة : صاحب السلطان مثل راكب الأسد : لا يدري متى يهيج به فيقتله . مالك بن دينار وسجين : ودخل مالك بن دينار على رجل في السجن يزوره ، فنظر إلى رجل جنديّ قد اتكأ في رجليه كبول « 2 » قد قرنت بين ساقيه ، وقد أتي بسفرة كثيرة الألوان ؛ فدعا مالك بن دينار إلى طعامه ؛ فقال له : أخشى إن أكلت من طعامك هذا أن يطرح في رجلي مثل كبولك هذه . وفي كتاب الهند : السلطان مثل النار : إن تباعدت عنها احتجت إليها ، وإن دنوت منها أحرقتك .

--> ( 1 ) الوجل : الخوف والفزع . ( 2 ) الكبول : القيود .